PrintEmail
نقل الثروة من الحكومة إلى الشعب
تاريخ النشر : 25-09-2008
المصوتين :1
النتيجة :5

تمهيـد

رغم أن كل شئ تغير في الحياة العراقية، السلطة السابقة، سجونها، مؤسساتها القمعية، زبانيتها وغير ذلك إلا أن العقل السياسي العراقي ما زال رثاً متحصناً بآليات عمل بائسة وكأنه عقل مستعصٍ على التغيير وإعادة النظر النقدي في مسلماته ووسائله ومرجعياته المحركة له، رهيناً بمكونات عقل (السياسة الشرعية) بلغة الأجداد-وإن ظاهراً وليس حقاً- أو فقل بقي في قطاع واسع منه أسير اللاهوت السياسي (La théologie politique) ولم تنهض عراقياً إلى ألان (فلسفة سياسية- La philosophie politique) حقيقية تضئ مشكلة الحكم بالعراق وأساليب إدارته وتضع البرامج المناسبة لتحرير الروح العراقية الإبداعية وإطلاقها من عقالها في الفضاء الرحب. وهذا ما حاول الدكتور أحمد الجلبي منذ البداية التنبيه عليه في كل محاضراته مؤكداً (إن مشكلة العراق ليست مالية، الأموال لا تعوزنا، ولكن مشكلته إدارية، مشكلته بكوادره غير المحترفة). فالعراق بحاجة إلى عقل سياسي جديد يدير دفته في هذا المناخ الصعب ليحقق له المصالحة الوطنية والبناء الحقيقي والعيش الكريم ويعيد الطمأنينة والهدوء والسلام إلى بلاد دار السلام التي وصفها علماءنا المسلمين قائلين: (لا نرتضي بجنان الخلد عنها بدلا)‏(1).
ونحن في المؤتمر الوطني العراقي نؤمن بضرورة الفحص النقدي للفرضيات السياسية السائدة عراقياً ومراجعتها مراجعة شاملة وإعادة الاعتبار للشعب وناضلنا منذ اليوم الأول لإقرار مادة دستورية تنص على ذلك: الباب الرابع: المادة(108): النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات). وهذا الإنجاز الذي حققناه لا يجعل الثروة ملك الحكومة بل ملك الشعب، وبالتالي نستطيع التخلص من ثراء الدولة وفقر الشعب المشهور في تاريخ العراق الحديث. ولكن رغم هذا النص الدستوري فإن الحكومة لا زالت ثرية والشعب لا زال فقيراً والعراقيون يعرفون أسباب ذلك. فالفساد الحكومي والإداري مستشرٍ في الحياة والخدمات شبه معدومة  حتى في أبسط الحقوق الطبيعية مثل الماء الصالح للشرب.
إن هدفنا في هذه الحلقة بيان رؤيتنا لنقل الثروة من الحكومة إلى الشعب وآلية تطبيقها لأن مشكلة الشعب العراقي الأساسية تتمثل بتراكم الثروة العراقية عبر العقود والسنين لدى الحكومة العراقية فنحن بالعراق حكومة ثرية جدا وشعب فقير جدا رغم أنه صاحب الثروة الحقيقي التي ينبغي أن تبذل لأجله وتخفف من معاناته، فهل سكان الكويت وقطر والإمارات أفضل من العراقيين؟
المسألة الأساسية التي يعمل المؤتمر الوطني على بيانها وتثقيف الشعب العراقي عليها أن (الثروة لكم) فالعراق (يملك ميزانية هائلة من الأموال واحتياطيات نفطية خرافية والأرصدة العراقية في البنوك والمصارف الأجنبية كبيرة جداً) والمواطن العراقي ينبغي أن يعي جيداً ويثقف الناس على هذه الحقيقة (هذه الأموال ملككم). إن العراق أغنى بلد في العالم فهل من المعقول أنه لا زال يعاني شظف العيش ويعوزه الخبز والماء والكهرباء؟ لدينا أقضية عراقية عدد سكانها أكثر من دول الخليج، فقطر على سبيل المثال والتي تمر بنهضة عمرانية ممتازة، ومستوى دخل الفرد فيها عال جداً ، ليست أحسن من العراق بل ليست أحسن من قضاء عراقي واحد! ونرى الدكتور أحمد الجلبي يكرر ضرب مثل معبر جداً: (الكويت قبل 50 سنة مقارنة مع العراق، كان الكويتي القادم للعراق ينبهر وكأنه قادم من القرون الوسطى إلى القرن العشرين ولكن العراقي الحالي عندما يدخل الكويت فكأنه قادم من العصور الوسطى إلى القرن الواحد والعشرين) فلماذا؟
لماذا أصبح العراق والعراقيون بهذا الوضع المزري؟ لنترك الآن شماعة النظام السابق رغم مخلفاته الهائلة من الخرائب التي تركها خلفه، ولكن ما الذي أنجزته الحكومة خلال خمس سنوات من عملها لتغيير هذا الواقع المرير؟ ولماذا ترفض تطبيق ما ندعو إليه بل العمود الفقري لبرنامجنا (نقل الثروة من الحكومة إلى الشعب) لتحسين وتطوير مستوى دخل المواطن العراقي بما يفوق وليس يساوي دخل المواطن القطري والكويتي والإماراتي. فالعراق هو البلد الوحيد في العالم الذي له قدرة إنتاج(8) ملايين برميل نفط يومياً من هذه الساعة وحتى نهاية هذه القرن!
وسنعرض على القارئ (المواطن العراقي) مشروعنا في نقل الثروة إلى الشعب عبر تحديد آليات هذا النقل في قطاعات الحياة والخدمات والدخل.
.........................................................................
(1)  الرسالة البغدادية، أبو حيان التوحيدي.

 

الفصل الأول

لمحات من تاريخ الدولة العراقية وسياساتها في الثروات الطبيعية

عند تأسيس الدولة العراقية الحديثة كان أهم مصدر لدخلها  هو المبالغ التي خصصتها الحكومة البريطانية لمساعدة العراق وكذا التمويل المالي الذي قدمه الجيش البريطاني للحكومة آنذاك لأن القطاع الزراعي كان بحالة سيئة.
 ورغم أن النفط كان في أرض العراق منذ الأزل إلا أن عمليات استخراجه واستثماره بشكل حديث لم يتم العمل على إنجازها إلا على يد شركة (  IPC) التي تأسست زمن الدولة العثمانية وعملت ضمنها شركات ألمانية وبريطانية وتركية للتنقيب عن النفط واستخراجه بالعراق ولكن تحضيراتها تعرقلت جراء أحداث الحرب العالمية الأولى وبعد انتهاء الحرب قامت الشركة بإعادة ترتيب أوراقها واستبعدت الشركة الألمانية لتحل بدلاً منها شركات أمريكية وفرنسية واستخرجت نفط العراق لأول مرة عام 1928 ليمثل مصدر دخل للعراق إلا أن حصة الأسد من ريعه كانت تذهب لهذه الشركات الأجنبية واستمر الأمر كذلك حتى عام 1951 عندما رضخ البرلمان الإيراني لدعوة السياسي البارز الدكتور محمد مصدق(1880-1967) لتأميم شركات النفط. وفي عام 1952قررت الشركات الأجنبية إصدار قانون المناصفة بتوزيع عوائد النفط بينها وبين دول المنطقة ومنها العراق. فقامت الحكومة العراقية في حينها بخطوة مهمة جدا عندما بادرت بتخصيص ريع النفط بنسبة 100% وبعد ذلك بنسبة 70% ليكون خاصا بميزانية (مجلس الأعمار) الذي أسسه (مجلس النواب) آنذاك برئاسة رئيس الوزراء وبعض الخبراء، وكانت مهمة (مجلس الأعمار) التخطيط للمشاريع الكبيرة وتنفيذها وبميزانية خاصة لا علاقة لها بميزانية الدولة، فأُنجزت مشاريع سدود دوكان ودربندخان والثرثار والحبانية وقنوات الري وقصر الرئاسة ومبنى وزارة الدفاع الحالية التي كانت بناية مجلس النواب سابقاً وخط السكك ومحطة القطار العالمية في منطقة العلاوي وهذه الأعمال تركت الأثر الإيجابي الطيب في نفوس العراقيين زمن ذاك. إلا أن ثورة 14 تموز 1958 ألغت هذا المجلس ودمجت ريع النفط تماماً مع ميزانية الدولة العامة واعتمدت على الوزارات في تنفيذ مشاريع الأعمار وبذلك أنهت وجود هيئة مختصة للأعمار ولم يتم مناقشة هذا القرار ومراجعته لانشغال العراقيين آنذاك بالأحداث السياسية.
والآن لنذكر بعض الأرقام لنقارن بين الأزمنة العراقية المختلفة ؛ إن الفترة الممتدة من عام 1928 تأريخ إنتاج أول برميل نفط عراقي وحتى عام 1968 زمن استلام حزب البعث الحكم بلغت عائدات النفط العراقي (6) مليار و(800) مليون دولار خلال (40) سنة. أما اليوم فإن دخل العراق لشهر تموز  2008 -مثلاً- يساوي مليار ونصف المليار دولار أسبوعيا !! نترك التعليق على ذلك للمواطن العراقي النبيه الذي نسعى جاهدين لتوعيته على حقوقه في هذا المال، ونؤكد على كلمة (حقوقه) فالعراقي هو مالك هذا المال وليس الحكومة وعلينا محاربة مفاهيم (المكرمات) و (الهبات)، فلا مكرمة ولا عطايا ولا هبات فهذه أموال الشعب الذي ينبغي عليه أن يعي هذه الحقيقة جيداً. وعلينا أن نعتبر  بحوادث تاريخنا المعاصر وقراراته ولا تأخذنا العاطفة بعيداً عن مصالحنا وحكم العقل الرشيد ولنذكر بقانون رقم (80) الذي صدر في عام 1960 والذي مُنعت بموجبه الشركات الأجنبية المنقبة عن النفط في بلادنا، هذا القرار كان يُعد وطنياً وواجه ترحيباً حاراً من قبل الشعب العراقي يوم ذاك، واعتبروه تخلصاً من احتكار شركة (IPC). التي خرجت من العراق وتوجهت صوب الخليج العربي لتباشر نشاطاتها هناك وبدأت بالبحث واستخراج النفط في أراضيهم فكانت قراراتنا السياسية سبباً في تطور الخليج العربي وتطوير صناعة النفط لديه! في حين تراجعت صناعته في العراق وتراجعت عمليات التنقيب والاستخراج وأصبح قطاعنا النفطي دون مستوى السعودية والكويت والإمارات كل ذلك بسبب ظروف العراق السياسية وأساليب إدارته التي أتبعت. واليوم ورغم كل الظروف المأساوية التي تعصف بنا فلا زال العراق يمثل خامس دولة نفطية في منظمة دول أوبك فإنتاج دول مثل قطر وعمان لا يتجاوز مئات الآلاف من البراميل وليس الملايين!! وأبو ظبي تجاوز أنتاجها النفطي المليون برميل وأما بعض الدول مثل أذربيجان فإنتاجها أقل من نصف مليون. وينبغي أن نذكر المواطن العراقي إن العالم برمته فيه (18) حقلاً نفطياً عملاقا نصفه في بلادنا!!! ألا يتطلب هذا الأمر من العراقيين وقفة طويلة لمراجعة النفس؟ لمراجعة الساسة الذين ينتخبونهم؟ لمراجعة الأرقام؟ للمقارنة بين وضعهم ووضع المواطن الكويتي والإماراتي مثلا؟ لماذا يعيش هؤلاء برفاهية يُحسدون عليها في حين باتت طموحات المواطن العراقي ساعات كهرباء أكثر! ماء صالح للشرب! مواد غذائية أساسية! إننا لنشعر بالعار والخجل عندما نتحدث عن هذا الوضع البائس الذي وصلنا إليه بدلاً من الحديث عن المنتجعات والمتنزهات ومشاريع الأعمار الفخمة!
ودعونا نتحدث قليلاً عن تطور صناعة النفط في الدول المحيطة مقارنة بالعراق. لدينا الآن مصفى الدورة الذي تأسس عام 1955 ويعمل بطاقة (90) ألف برميل يومياً بينما دولة السعودية أسست استثمارا نفطياً بقيمة (12) مليار دولار لبناء مصافٍ جديدة من أجل تصدير المنتجات النفطية وليس إنتاج النفط الخام! بينما ما زال العراق يستورد مشتقات النفط بل ويعاني المواطن من أزمات حادة في الوقود الغازي والنفطي! هذه المسألة -مسألة مشتقات النفط- تحتاج إلى (7) سنوات ضمن برنامج عمل أعماري تقني حقيقي لمعالجتها جذريا وتحقيق الاكتفاء الذاتي بل والتصدير إذا بدأنا العمل منذ الآن ولكن المؤسف أن الحكومة وحتى هذه الساعة لم تحرك ساكنا ولم تطرح برنامجاً ولم تخطط لأي شئ! إن العراق طبقا للدراسات الاقتصادية بحاجة إلى (22,000,000) لتر بنزين و(22,000,000) لتر كازويل فيما كانت حاجة البلد أواخر أيام  النظام السابق (15) مليون لكليهما.
وينبغي أن نناقش مشكلة حقيقة تتعلق بالميزانية العامة والاعتماد التام على النفط لتغطية ميزانية الدولة. هذه السياسة البائسة وغير الحكيمة  غطت على سوء الإدارة حكومياً التي أدت إلى خراب القطاعات الأخرى كالقطاع الزراعي والصناعي والتجاري وغيرها، فالزراعة على سبيل المثال دُمرت بعد أن حل الاستيراد بديلاً عنها فلماذا نزرع الأراضي وميزانية البترول كافية للاستيراد! لماذا نزرع ونحصد ونحقق اكتفاءً ذاتيا بل ونصدر من منتجاتنا إذا كانت الحكومة لا تكلف نفسها بإصلاح الأراضي الزراعية ودعم الفلاحين وسن القوانين الخاصة بهم وبملكية الأرض وتنمية وتطوير قنوات الري وشبكات البزل؟ فلسان حال الحكومة يقول: لا حاجة لنا بكل ذلك فمال النفط كاف للاستيراد. حقاً أنها لمأساة ومنطق عجيب أتبعته الإدارات التي حكمت العراق.
لقد دمرت كل القطاعات العراقية التنموية -عدا الدفاع والجيش- في سياسات البعث الحمقاء. ولكن لنكف عن شماعة البعث فما الذي أُنجز خلال السنوات الخمس لما بعد التغيير؟ هذا هو الرهان الذي ينبغي على المواطنين التفكير به جدياً واستخلاص العبر منه. من المؤسف أن السياسة الغبية لصدام حسين -الذي كان يجهل كل شئ عن الاقتصاد ولكنه يملك الخبرة الكافية بالأموال المتوفرة بخزينة الدولة وطرق هدرها- لا زالت فاعلة لحد ألان في سياقات عمل النخب السياسية الجديدة التي تستعمل المال للتسلط والحكم والإثراء الشخصي على حساب المواطنين، دون أن تخطط لأي برنامج اقتصادي حقيقي. ولنفتح قوساً ونناقش مسألة أداء الحكومة، كانت إدارة صدام مؤسسة لنظام (البطاقة التموينية) لتوفير الغذاء للشعب العراقي واستطاع عام 1996 من خلال برنامج (النفط مقابل الغذاء) من توفير هذا الجانب. وأسس جهازاً لتوزيع المواد التموينية عن طريق (وكلاء الحصص) في المحافظات والذي لا يزال قائماً حتى هذه الساعة ويعتبر العمود الفقري لتغذية الشعب العراقي وقد استشرى الفساد في هذا الجهاز عميقاً لتوفير المال لنظام صدام عبر التلاعب بقرارات مجلس الأمن الدولي. وقد استمر البرنامج لمدة (7) سنوات من عام 1996 ولغاية 2003. دخلت إلى العراق خلالها (64) مليار دولار ذهبت (17) مليار دولار بوصفها تعويضات عن حرب الكويت ومليار ومائتي مليون دولار دفعت للأمم المتحدة بصفتها ثمنا لإدارتها مشروع (النفط مقابل الغذاء) فيما ذهب 13% إلى إقليم كردستان وما فضل منه لبقية الشعب العراقي!! بعد سقوط نظام صدام باتت المبالغ التي كان يستلمها النظام تدفع لزيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين الذين كانت نسبتهم زمن نظام صدام مليون وتسعمائة شخصا وباتوا اليوم (4.5) مليون! والجزء الأخر يصرف للحصص التموينية والنزر اليسير المتبقي خُصص للمشاريع! على الرغم من الحاجة الماسة للمشاريع النموذجية التي ترفع من مستوى حياة الناس وتقلل من عنائهم فالعراق - مثلاً- الآن بحاجة إلى (9100) ميغا واط من الطاقة في حين أن إنتاجنا المحلي مع الطاقة المستوردة من دول الجوار لا تتجاوز الـ(4600) ميغا واط وإذا نفذنا برامج تنمية صناعية فإن حاجتنا ستزيد إلى (20,000) ميغا واط فمقدرتنا الحقيقية الحالية لا تتجاوز ربع ذلك فيما نجد دولة مثل البحرين تسعى لبناء محطة كهرباء طاقتها الإنتاجية (8000) ميغا واط والإمارات لديها مشروع لإنتاج طاقة كهربائية تزيد على (24,000) ميغا واط!!
إلا يتطلب كل ما ذكرنا من المواطن العراقي مراجعات حقيقية وجادة لخياراته؟ ألا ينبغي أن يكف عن تحكيم القلب ليشرع بالمطالبة بحقوقه؟ بأملاكه التي تهدر دون أن يتطور مستوى حياته؟ علينا بصفتنا مواطنين عراقيين أن نطور من رقابتنا السياسات غير الصالحة السائدة في الساحة العراقية والتي حجمت الحلم العراقي بمسائل خدمية بسيطة من ماء وكهرباء وغذاء كان ينبغي أن تصبح أمور منجزة وبديهية وحقوقا طبيعية لسكان وادي الرافدين.
 

الفصل الثاني

نماذج من آليات نقل الثروة من الحكومة إلى الشعب

البرنامج الأساسي الذي يؤمن به المؤتمر الوطني العراقي والذي يمثل المركز الذي تدور في فلكه جميع برامجنا الفرعية هو أن (الثروة ملك الشعب) وبالتالي فيجب العمل الجاد لنقلها إليه بطرق دقيقة ترفع من مستوى حياة الناس وتنمي دخلهم وتطور الخدمات العامة لهم. ولبيان هذه المسألة الحساسة للمواطن العراقي سنذكر أربعة مصاديق تحقق هذا النقل ووسائله وآلياته.

أولاً:مشاريع الإسكان:

من مصاديق نقل الثروة إلى الشعب توفير المساكن اللائقة بالمواطنين العراقيين. فالمشكلة الأساسية هنا، أن الحكومة العراقية تملك ألان 95% من الأراضي. والمواطن لا يملك شيئاً فيكون نقل الثروة في هذا المجال عبر تأسيس (هيئة عقارية) تنقل لها ملكية هذه الـ(95%) من الأراضي وتُدعم بميزانية خاصة من ريع النفط لتنهض بأعباء:
1- توفير الأراضي السكنية للمواطنين من قبل الدولة. مع تمويلهم مالياً عبر البنوك.
2- بناء وحدات سكنية للمواطنين على نحو الملك الشخصي.
ويتم تسديد ثمن المنازل أو التمويلات اللازمة للبناء -من قبل المواطنين- بالأقساط المناسبة لدخل المواطن شرط أن تكون التمويلات مدعومة من قبل الدولة (دعم سعر الفائدة) بما لا يرهق كاهل المواطن. إن هذا البرنامج الذي يدعو إليه المؤتمر الوطني العراقي غير قابل للتنفيذ بدون سن قانون خاص يشرعه مجلس النواب. وفي الحقيقة أن بلدنا بحاجة ماسة إلى ثورة بالقوانين. فالقوانين القديمة والحالية تكبل الدولة في تعاملها مع المواطنين ورغبتها في تسهيل حياتهم وتنمية دخلهم.

ثانياً:القطاع الزراعي:

إن المزارع والفلاح العراقي لديه مشاكل كثيرة وأهمها ملكية الأرض التي أصبحت مرتبطة بالنفوذ السياسي زمن النظام السابق ومن الضروري تقديم برنامج عمل لمعالجة الواقع الزراعي المتردي جدا نتيجة عدم قدرة الحكومة على وضع برامج سليمة. بل المؤلم أن الحكومة لا تضع القطاع الزراعي في سلم أولوياتها رغم أن الفلاحين يمثلون شريحة واسعة من الشعب وحياتنا قائمة على الحاجة إلى المنتجات الزراعية. ويكون تطبيق برنامج نقل الثروة إلى الشعب عبر:
1- دعم الدولة لمواسم زراعية كاملة توفر لهم فيها البذور والأسمدة والمعدات والوقود وغيرها.
2-  سن قوانين ملكية الأرض الزراعية للفلاحين.
3- إصلاح الأراضي وبزلها وشق قنوات الري لها.
4-  شراء الحكومة المنتجات الزراعية بالأسعار ذاتها المخصصة للاستيراد. إن العراق كان يُصدر الحبوب إلى الدول بثمن (55) دولاراً للطن الواحد في الأربعينات من القرن العشرين أما اليوم فالحكومة تستورد الآن (7) مليون و (200) ألف طن مواد غذائية وتستورد (4) مليون طن قمح سنوياً بقيمة مليون وخمسمائة ألف دينار للطن الواحد فيما تشتري الطن ذاته من المزارع العراقي بـ(650)ألف دينار. فهل يُعقل أن تشتري الدولة القمح من الخارج بهذه المبالغ ولا تدفع المبالغ ذاتها للمزارع العراقي؟

ثالثاً: تحسين دخل المواطن العراقي:

ويمكن تنفيذ هذا المشروع بسرعة فلدى العراق الآن مبلغ (57) مليار دولار -تمثل غطاء العملة العراقية بنسبة 220 % بالدولار على أسعار الصرف الحالية- في البنك الفيدرالي الأمريكي أي أن كل مواطن عراقي يملك (2000)دولار، أي أن العائلة المكونة من ستة أفراد ملكها (12) ألف دولار في الأرصدة تجدد سنوياً فهل من المعقول أن العائلة العراقية اليوم تعيش وضع مأساوي وهي تملك دخلاً سنوياً قابلاً للتضاعف؟ إن بإمكاننا توزيعها على المواطنين العراقيين بمبلغ قدره (600) ألف دينار عراقي للفرد الواحد مرتين أو ثلاثة في السنة. وإذا اعتبرنا معدل حجم الأسرة العراقية (خمسة أشخاص) فإن كل أسرة سيكون نصيبها (3)مليون دينار دوريا وقابلة للاستقرار كمخصصات شهرية في المستقبل. والمواطن العراقي يتذكر المعالجة المشابهة التي قام بها الدكتور الجلبي عام 2005 حين اقترح توزيع مبالغ مالية على المواطنين بدل النقص الحاصل وقتها في مفردات البطاقة التموينية وقد تم تنفيذ الفكرة بنجاح، وقد وزعت مبالغ قدرها (630) مليار دينار على الناس. وبإمكاننا توزيع مبلغ (600)ألف دينار عراقي للفرد خلال ستة أسابيع فقط وهذا طريق مباشر لعملية نقل الثروة من الحكومة إلى الشعب.

رابعاً: الثقافة والفنون:

من تطبيقات عملية (نقل الثروة إلى الشعب) تأسيس (هيئة وطنية مستقلة للثقافة والفنون) لها ميزانيتها الخاصة ومهمتها الأساسية دعم المثقف والفنان العراقي. وتقوم بما يلي:
1- توفير الدخل الكافي للمثقفين والفنانين كخطوة أولى.
2- رعاية الإنتاج الثقافي والفني العراقي وشرائه بما يحقق الاستقلال الاقتصادي والحياة الكريمة للمثقف والفنان.
3- تخصيص ميزانية تشجيع ودعم الأعمال الفنية والثقافية من معارض وتسهيل النشر وشراء الأعمال. ولنضرب مثلاً توضيحياً عن ذلك مفترضين أن ميزانية الدولة تساوي (50)مليار دولار فتخصص(1%) من الميزانية لشراء الأعمال الثقافية والفنية العراقية وهذه الـ(1%) تساوي (50) مليون دولار، تصوروا كيف ستتفجر الطاقات الإبداعية العراقية بهذه النسبة الزهيدة.
4- تمويل الدولة للإنتاج السينمائي والتلفزيوني والمسرحي وتخصيص ريعها بالكامل للفنانين الذين يقومون بعملها.
5- العمل على تكريم المثقف والفنان العراقي والتعريف به وبأعماله. فمن مشاكلنا الكبيرة أن الشخصيات العراقية غير معروفة في بلادها حتى قيل (ما ينشر في بغداد لا يخرج من بغداد). ولدينا مثل حي على ذلك فهناك لوحة للفنان العراقي الراحل (شاكر حسن السعيد) عُرضت بمزادٍ علني في دبي وبيعت بـ(80) ألف دولار والآن لو عملنا استبيان عراقي شعبي فكم مواطن عراقي يعرفه؟ هذا ناهيك عن الشخصيات العلمية والفكرية والفنية والثقافية الأخرى فمن الذي يعرف (كوركيس عواد) اليوم؟
 

الخاتمة

نود في الخاتمة أن نتحدث عن ضرورة الخروج من اعتماد النفط بوصفه الشريان المغذي لميزانية الحكومة  والإعلان الواضح والتنفيذ الفعلي لحقيقة أن الثروة الغازية والنفطية هي ملك الشعب العراقي.
 إن الظروف السياسية والإدارات الفاشلة التي حكمت العراق هي التي جعلتنا نعيش وهم الاعتماد التام على النفط بوصفه المصدر الأساسي لرؤوس الأموال العراقية حكومياً. في حين نحن نرى أن العديد من الدول متقدمة اقتصاديا وبوضع أفضل بكثير من العراق وهي لا تملك النفط. وعلى سبيل المثال يمكن أن نذكر تجربة تركيا التي عمدت منذ الثمانينات إلى الإنتاج وتبني سياسة (تراكم رأس المال) فأصبحت وهي الدولة غير النفطية تتمتع بنظام اقتصادي ممتاز في المنطقة. بل أن أكثر الدول غنى في العالم لا ثروة نفطية لها فسويسرا الأكثر غنى في أوربا كلها لا تملك سوى الطبيعة الجميلة من جبال ووديان ومناظر وصناعة الساعات وعلى ذات المنوال سائر الدول الأوربية التي يُضرب المثل بها وبمستوى دخل مواطنيها وعمرانها وتحضرها رغم أنها دول غير نفطية.
أما بلدنا الذي يملك الطاقات والموارد الطبيعية والبشرية وفي أرضه ظهرت الزراعة وبناء المدن قبل (10) ألاف عام فأمنوا الغذاء وأسسوا الحضارات  فسكانه اليوم يلهثون لتأمين غذائهم وخبزهم ومائهم حتى باتت هذه الأوليات هي أهم أهدافه من الحياة في حين أن تلك الأمور حقوق طبيعية للإنسان في الدول المتقدمة بل وفي الدول المحيطة بالعراق إقليميا ودول الخليج العربي. ولو قارنا وضعنا الزراعي ونحن بلاد النهرين مع الإمارات التي تقع في الربع الصحراوي الخالي ، فإن وضعنا مؤلما جداً فقد كنا نملك (38) مليون نخلة وباتت بعد مجيء نظام البعث (11) مليون نخلة نتيجة الإهمال وعدم العناية بها، فيما إمارة أبو ظبي لوحدها تملك ألان (40) مليون نخلة! فتأملوا أين وصل بنا الحال من التقهقر والتراجع.
ونحن نؤكد دائما إن كل الأمور متوفرة بالعراق، العقود متوفرة، الأموال متوفرة، الخبرة العراقية والخبراء متوفرون، الكفاءات العراقية في التخطيط ووضع البرامج متوفرون، شعب محب للحياة ومتحضر موجود.. فما الذي ينقصنا؟ لا يعوزنا إلا الإدارة الناجحة، ونحن ندعو المواطن العراقي إلى التفكير الجدي في الانتخابات والمشاركة بها واختيار الإدارة التي يمكن أن تنقذ الوضع وتعالج المشكلات وتحقق المصالحة العراقية والإخوة العراقية والود والحب والتآخي العراقي. لقد ضقنا ذرعا بالمحاصصات التي دمرت حياتنا ولا ينبغي أن نقع في فخاخها مجدداً.
أيها العراقيون أنتم أصحاب الحضارة والثقافة والتراث الأصيل، أنتم أصحاب الثروات الهائلة والطاقات الخلاقة، لديكم أكبر احتياطي نفطي في العالم وثالث أكبر احتياطي غازي في الدنيا وكل هذا ملككم فاحصلوا على أملاككم واختاروا الإدارة التي تؤمن بأن الثروة ملككم وإن برامجها الأولى يجب أن تكون في نقلها إليكم. والأمر مرتبط بكم والانتخابات هي طريق التغيير الحضاري لإيصال المرشحين المناسبين من مناطقكم ليعملوا معنا يداً بيد لتحقيق برنامج (نقل الثروة إلى الشعب) بشكل عادل وقانوني والذي يمثل التحدي الأكبر الذي ينبغي أن تراهنوا عليه وواجبنا وواجب كل مواطن العمل الجاد والدؤوب لتوعية الناس وتمكينهم من رؤية الخيارات الصحيحة التي ستغير حياتهم وتعيد البسمة والفرح العراقي إلى الحياة فمشكلتنا أيها الأحبة كما ذكرنا مراراً ليست في المال والثروة بل في سوء الإدارة والبيروقراطية التي تتعامل مع المواطنين من منظور فوقي ولا تتعامل مع العراقي على أنه صاحب الحق الأصيل وأن الحكومة وظيفتها خدمية إدارية تأخذ رواتبها من أموال المواطنين وعلينا التفكير ملياً بنوع الحكومة، البرلمانيون الذي نود إيصالهم لإدارة أمورنا فعملية الانتخابات ينبغي أن تقوم على أساس تحقيق المطالب ونيل الحقوق ووضع البرامج العملية التي تخدم الواقع العراقي وليس مناغمة عواطف الناس واللعب على أوتارهم الدينية والعرقية والطائفية. إن التغيير أيها الأحبة لا يأتيكم من الحكومة بل يأتي منكم، فأنتم من تختارون وأنتم من يتحمل مسؤولية خياراته.

والله من وراء القصد

 

عدد القرائات : 27722
إمكانية التعليق : مغلق
عدد التعليقات : 0