PrintEmail
بلقيس عبد الرحمن، عقيلة الشهيد وصفي طاهر تتذكر
الكاتب : رواء الجصاني
تاريخ النشر : 08-02-2017

لن  نأتي جديدا  في القول بأن استيلاء البعثيين على السلطة، وأغتيال الجمهورية الاولى، في انقلابهم الدموي بتاريخ 1963.2.8  جاء بعد تراكمات كمية ونوعية من الاحداث والوقائع التي استمرت طوال اربعة اعوام ونصف، اي منذ قيام ثورة / حركة  14 تموز 1958 وحتى تاريخ الانقلاب الاسود ..

وإذ يطول الحديث ويعرض ويتشعب، دعونا نتوقف عند بعض تلكم الشؤون والشؤون، في ذكريات شاهد عيان، هو الفقيدة الجليلة: بلقيس عبد الرحمن، عقيلة العميد الشهيد، وصفي طاهر، احد ابرز قيادات الثورة، والعهد الجمهوري الاول،  مع بعض اضافات وتوثقة مثبتة، ذات صلة (*) :

** عن محاولة اغتيال الزعيم في شارع الرشيد

استمرت المحاولات التي استهدفت ثورة تموز، وقيادتها الرئيسة، متمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم. وبعد أحداث الموصل في اذار 1959، تقوم زمرة من حزب البعث العربي الاشتراكي بمحاولة مسلحة لاغتيال الزعيم في منطقة رأس القرية بشارع الرشيد، في بغداد (تشرين الأول / 1959)... وبحسب مذكرات بلقيس عبد الرحمن، فان زوجها، وصفي طاهر، اتصل بالعائلة ليخبرها بما حدث، وليسرع بسيارته الى مستشفى السلام في منطقة العلوية، حيث نقل الزعيم قاسم مصاباً باطلاقات عديدة، وقد أصرّ على ان لا يدخل صالة العمليات دون ان يكون وصفي طاهر موجوداً، ليطمئن. ولدى وصوله، سلّمه الزعيم مسدسه، وأُدخل للصالة، وبقي وصفي في المستشفى الى جانب الزعيم طيلة فترة مكوثه فيها.

ووفق المذكرات ذاتها تكتب بلقيس عن زوجها وصفي طاهر: راح المحرضون والمعادون لمسيرة ثورة تموز، يزورون قاسماً في المستشفى ليسمعوه كل ما يغلي الصدور، ويؤزم الواقع، ومن بين ذلك ان سلوكه (الزعيم) دفع للحادثة لأنه كان مع "اليسار"... كما حاول البعثيون الترويج لاشاعة تقول بان من كان وراء المحاولة هما وصفي طاهر وجلال الأوقاتي، وجماعتهما...

وبعد خروج الزعيم قاسم من المستشفى راح يميل الى نقل وابعاد كل محسوب على "اليسار". ومن بينهم، أولئك الضباط الذين كان وصفي طاهر اختارهم ليكونوا في حماية الثورة. بل – وبحسب المذكرات – فان الزعيم راح يشكّ بكل ما ينصح به وصفي، بل وبات يتحذّر منه احياناً... ومن بين ذلك – مثلاً - انهما حينما كانا يتغديان معاً في وزارة الدفاع ذات يوم، كان الزعيم ينتبه لوصفي بكل حذر "محترزاً" منه، كيلا يقوم بسحب مسدسه عليه، وقد ردّ عليه وصفي، في خلوة ثنائية: لا تعتقد انني سأخونك، ما دمتَ ضد الاستعمار، وحينما اشك بك، سأقول ذلك، وسأكون ضدك، وانت تعرفني جيداً بأني صريح وصادق".

وبحسب المذكرات أيضاً، تنقل بلقيس عبد الرحمن عن وصفي قوله: "ان احد الضباط المخلصين، القريبين منه، طلب ان يسمح له بالدخول الى غرفة الزعيم في المستشفى، وينهي حياته، لانه السبب في انتكاسة الاوضاع، فردّ عليه وصفي بشدة: "ان من يقوم بهذا العمل، اي قتل جريح، وزعيم ثورة ووطني، ما هو الا نذل"... وكان – وصفي - يتوقع ان تتحسن الاوضاع بعد ان يشفى قاسم، وان يكون ما حدث درساً له. ولكن ما جرى يبدو هو العكس تماماً.

** تحذيرات لم تنفع

... وفي عودة جديدة لما سجلته بلقيس في مذكراتها – ذكرياتها ننقل أيضاً: ان وصفي كان يحذر الزعيم دائما بأن معاديه من الرجعيين لا يمكن ان يكونوا بجانبه، ويخلصوا للثورة فلم يستمع له، وكان يعمل العكس بعد ان ادخلوا في رأسه ان الشيوعيين بدأوا يتآمرون عليه، وكان يردد هذا الكلام دائما امام وصفي ويقول له: "أقول لك ان الشيوعيين يتآمرون ضدي"... وكان وصفي يجيبه بشدة: "مستحيل مثل هذا الكلام، فالشيوعيون مصيرهم مرتبط بمصيرك، وما دمت تقف ضد الاستعمار فهم يساندونك، وانا كذلك، ومجرد ان اعرف انك صرت الى جانب الاستعمار، فسأعمل، وأحمل السلاح، ضدك"... وحول هذا الأمر، كان وصفي يبلّغ المسؤولين الشيوعيين بظنون قاسم وشكوكه بشكل مستمر ...

 ** العلاقة تتوتر أكثر فأكثر

أخذت الأمور تتعقّد شيئاً فشيئاً، وبات وصفي طاهر لا يذهب كثيراً الى مكتبه في وزارة الدفاع، حيث مقر الزعيم عبد الكريم قاسم، زعلاً، واشعاراً بما يقوم به – قاسم - من أخطاء ومواقف واجراءات تقود البلاد وأهلها الى الهاوية... وحينما كان وصفي يتواجد في الوزارة، يعود غاضباً – بحسب بلقيس عبد الرحمن في مذكراتها – وذلك لأن قاسم راح يقرّب "المنافقين" أكثر فأكثر...

وفي شؤون مشابهة، تضيف مذكرات بلقيس: كان وصفي يبقى ساهراً في الليل، قلقاً من الأوضاع، متوتراً بسبب سياسات الزعيم قاسم وإجراءاته التي ستورّط الشعب، وقد اصبحت السلطة كلها بيد المعادين للثورة، ولم يعد له – وصفي - حول ولا قوة... متوقعاً ان تحدث مؤامرة كبيرة وسينتقم المعادون، وبينهم أذناب الاستعمار من الشعب المسكين الذي ليس له مَن يحميه... وكلما كان – وصفي - يتحدث عن ذلك مع قاسم، كان يرد: هذه دعاية الشيوعيين، يهولون الوضع، ولم يصدق ما ينبئه وصفي به، لان المنافقين ينقلون له اخبارا عن الوقائع خلاف ذلك، ويزيدون المديح له ولاجراءاته، وراح يصدّقهم بالفعل...

... كما جاء في مذكرات بلقيس أيضاً، ان من المؤشرات الأخرى حول توتر العلاقة بين الرجلين، حين بدأ قاسم يضجر من ملاحظات وصفي، ومنها حول خطاباته الارتجالية التي كان يدعوه لأن تكون مكتوبة، لكي يمكن ان يؤثر بها أكثر في الجماهير، ولكنه – قاسم - رفض تقبّل تلك النصيحة... كما رفض ان يستمع لدعوة وصفي له بالاشارة الى أهمية الحديث عن الديمقراطية في تلك الخطابات لطمأنة القوى السياسية، والمواطنين، بعدم تفرّده في الحكم...

ومن بين ما سجلته "بلقيس" في مذكراتها نقلاً عن زوجها وصفي طاهر، انه نصح قاسم بأن يشكّل مجلساً للقيادة، وان يرشح نفسه – قاسم – لرئاسة الجمهورية، ولكن ذلك ما لم يقتنع به... وتكرر الرفض بالنسبة لنصائح وصفي وآرائه الأخرى، ومنها حول ضرورة منح الاكراد حقوقهم لمنع مواجهة ضد الثورة... وايضا حول ضرورة دعم تشكيل جبهة من الاحزاب السياسية، واشراك ممثليها في الحكم منعاً للتفرد... ولكن كل ذلك كان بعيداً عن تصورات الزعيم، وقناعاته، مما تسبب بعهد أسود لاحق في البلاد العراقية...

-----------------------------------------------------------------------------

* مجتزأ من الفصل الخامس لمؤلف: " وصفي طاهر.. رجل من العراق"... كتابة وتوثيق:

 رواء الجصاني ونضال وصفي طاهر، الصادر بطبعتين في براغ، وبغداد عام 2015.

عدد القرائات : 269
إمكانية التعليق : مغلق