اجريدة المؤتمر : الصفحة الرئيسية

2009-07-30

دنيا ميخائيل ... الهة سومرية في ارض الكانغارو

فاضل الخياط

مثل الهة سومرية حلت دنيا ميخائيل ضيفا على منتدى الجامعيين العراقي الاسترالي في سدني الذي اقام لها احتفالية شعرية قرأت فيها الشاعرة عددا من القصائد التي اختارتها من ديوان "الحرب تعمل بجد" ومن ديوانها الاخير " يوميات موجة خارج البحر" الذي صدر حديثا باللغتين العربية والانكليزية عن دار النشر الامريكية نيو دايركشن في طبعة انيقة تليق بشعر دنيا ميخائيل الذي يمثل صوتا بارعا ومتفردا في الشعر العربي.
القيت في بداية الامسية كلمة ترحيبية من الدكتور احمد الربيعي رئيس المنتدى الذي اشار الى انجارات الشاعرة والجوائز التي حصلت عليها ومنها جائزة " PEN" وجائزة حقوق الانسان وذكر ايضا مواقف الشاعرة النظيفة الشجاعة في عصر الاستبداد البعثي الغابر حتى مغادرتها العراق عام 1994. ثم تلتها مداخلتان عن تجربة دنيا ميخائيل، الاولى لحسن ناصر، رئيس اللجنة الثقافية في المنتدى، الذي وصف الشاعرة بانها كانت شاهدة نقية على عصر البعث الذي اتسم بالطغيان والحروب والموت المجاني مشبها اياها بشخصية هوراشيو رفيق هاملت في مسرحية شكسبير المعروفة.
اما المداخلة الثانية فكانت لكاتب السطور وقد تحدث عن الجوانب الفنية في تجربة دنيا ميخائيل الشعرية واصفا قصائدها بانها قصائد مائية. ثم اعقبت الامسية جلسة نقاش واجابة على اسئلة الجمهور الذي كان حاضرا على نحو لافت. انظرالمقال ادناه.
ولا بد من الاشارة الى ان ديوان الشاعرة الاخير "يوميات موجة خارج البحر" عبارة عن قصيدة واحدة طويلة بجزئين، سجلت فيها الشاعرة يومياتها في العراق وفي الخارج موزعة على فترة زمنية ما بين 1991 و2007. يمثل الديوان ما يمكن ان نطلق عليه بحق اسم سيرة شعرية.
من اجواء الامسية هذا المقطع وهو من الديوان الاخير:
لم يزاول جان عملا ولم يمتلك الكثير من القصائد فقد كان يبيع قسما منها لشعراء يملكون المال ولكن ينقصهم الالهام، القصائد المتبقية له جمعت في ديوان وحيد بعنوان " اسمال". في اثناء الحرب العراقية الايرانية في الثمانينات ، اخذ جان من الحانة الى الجيش، اعطوه مهمة حارس ليلي، كان ينام في الاوقات غير المناسبة، حذره الضابط قائلا : " جان ،انت جندي ولا يجوز لك ان تنام وقتما تشاء". قال جان : " لماذا" فتساءل الضابط :" تقصد لماذا لا يجوز ان تنام؟" اجاب جان:" لماذا انا جندي؟". وفي ختام الامسية قرأت الطفلة جمانة السوداني ( 12 سنة) قصيدة بالانكليزية عنوانها" Our World ".
قوة ُ الماء وسحرُ ه القيت هذه الورقة في الامسية اعلاه:
تعرفتُ شِعرَ دُنيا ميخائيل وتعرفت اليها شخصيا في لقاءات سريعة خاطفة وانا في العراق اواسط الثمانينيات. والتقيتها مرة وحيدة في سدني قبل تسع ِ سنين َ تقريبا. وها انا التقيها مرة اخرى. مضى على ذلك اللقاء الاول ما يقرب من ربع قـَرن من الزمان. يا للحَياة، كم هي جميلة وغريبة ومدهشة. يا للزمن كم هو محضُ وهم.
اتذكر حين حصلت على ديوانها الاول " مزاميرِ الغياب" اوائلَ التسعينيات من بعض الاصدقاء. واذ اتصفح الكتابَ قارئا بعضا من قصائده البرقية الخفيفة قلت لصديقي الذي سالني عن رايي: "صاحِ، ان في هذا الكتاب شعرا لا يشبه ما تعارفنا عليه من شعر العرب". ثم غادرت العراق بعدَها بايام لكن اريجَ القصائد بقي حاضرا في ذاكرتي ولم يزل مقيما فيها لا يبارح. اتذكر حينها ما غمرني من شعور امتنان للبهجة وللدهشة وقوة الحياة التي بعثنها تلك القصائد في روح قارئ يعاني على نحو مزمن من الخمول والكمد وضعف الحياة. ثمة في الشعر صفاتٌ وطبائع. واذا جاز لنا تصنيف الشعر وفقا للعناصر الاربعة الاساس في الطبيعة فان قصائد دنيا ميخائيل تحمل طبيعة مائية. وهنا لا بد من توضيح: نعرف عن الماء انه كائن دمث ولطيف ومنعش في حالاته الطبيعية. لكنه ايضا هائج ٌ وعنيف ومدمر في مكمونه. لنقل باصطلاح عِرفاني ان للماء ظاهرا وباطنا. ظاهرُه الوداعة وباطنه الغليان والعنف الساكن فيه. كذلك الحال في هذه القصائد من حيثُ تحلـّيها بصِفات ظاهرة ٍ وباطنة، فهي ناعمة وديعة كالمخمل في ظاهرها لكن ثائرة وحادة وبارقة كالسيف في باطنها. هادئة وباردة ٌ على حد تعبير الشاعرة نفسها لكن متوقدة وساخنة، مشاكسة وساخرة بمرارة في ذاتِ الوقت. وتلك هي قوة ُ الماء وسحرهُ متجلية في كلمات. تقول اميلي ديكنسون" حين اقرا كتابا ويجعلني اشعر بالبرد حيث لا نار يمكن لها ان تدفئني اعرف ان ذلك هو الشعر". ان هذا لهو الشعور ذاته الذي تملكني قبل ليلتين وانا اقرا "يوميات موجة خارج البحر". الم اقل للتو انها قصائد مائية. اما البـِنية التركيبية للقصائد فذاتَ ايقاعين، الاول تعاقبي، تنمو القصيدة فيه مثل "موجات البحر التي تشبه حيواتنِا ففي اللحظة التي تصل فيها موجة الى نهايتها تكون موجة اخرى قد بدأت توا"*. واحيانا تنمو بايقاع دائري مثل موجة في وسَطِ بحر تكبر شيئا فشيئا حتى تختفي عن الابصار لكن دون ان تتلاشى نهائيا. فكل موجة في البحر وان كان ينسجها حجر بالغُ الصِغر تخلقُ موجاتٍ متواصلة ً الى ما لانهاية، ونستند في هذا القول الى علم الفيزياء. وتلك احدى اسباب ِ اليقظة ِ الابدية ِ للبحر. واذ يكادُ ينفرد " مزامير الغياب" بابنية الموجات الدائرية، تغلب على " يوميات موجة خارجَ البحر" البنية ُ التعاقبية. لكن الحركة َ التعاقبية َ الاخيرة َ هذه ليست الا جزءا من الحركة ِ الدائرية ِ منظورا اليها من جهة ٍ وحيدة ٍهي جهة ُ الساحل. فهما في الحقيقة مظهران ِ لحركة ٍ واحدة هي حركة ُ امواج ِ الماء الدائرية ِ. وليس لاي موجة من حركة اخرى سواها. اما لجهة المناخ فيحضر بقوة في هذا الشعر ما ندعوه عادة بروح الطفولة. واذ يؤكد نيتشة انه تحت جلد كل شاعر يرقد طفل، فانه من المفارقات اللطيفة ان تعلق ام الشاعرة حين تقرا قصيدة لدنيا لاول مرة بقولها:" ان الاطفال سيحبون هذه القصائد " ظنا انها قصائد كتبت للاطفال. من جهتنا، لا نظن ان هنالك فرقا، فما يستهوي الاطفال من الشعر يستهوي الكبار بالضرورة والعكس صحيح. فليس في الشعر تراخيص ولا اجازات ولا قيوداً عمرية.
طفولة الشعر في قصائد دنيا تحيل الى الانسياب العفوي الذي امتازت به القصائد، علما ان العفوية ليست سوى اسم ٍ اخرَ للطفولة. فهما دالان لمدلول واحد، "لم يكن الشعر في نيتي حين دونت هذا الكتاب" تقول الشاعرة في مقدمة "يوميات موجة..."، لكن الناشر الامريكي لم يجد شيئا في الكتاب سوى الشعر، الرجل على حق دون شك. فالشعر "فيض تلقائي". وتلك كانت صفة القصائد بامتياز، لكنها تلقائية تنطوي على عمق وتجربة ورؤيا ثاقبة. يتحدث كثير من الشعراء عن لا ارادية الكتابة الشعرية، وقديما عزت العرب الشعر الى الوحي سوى انهم احالوه الى الجن، وسموه شيطان الشعر، ونميل من جهتنا الى احالته الى الملائكة، فما من وحي الا من الله، ولا اظن ان جنيا وهو كائن محدود بمخلوقيته يفرط بما لديه من شعر لكائن انسي اخر، اللهم الا اذا كان هو اياه. ثمة َ ملاحظة اخيرة في شعر ضيفنا الكريم، لابد من ذكر ِها هاهنا، الا وهي احتفاظ القصائد ِ بشعريتها رغم ترجمتها الى الانكليزية، فالشائع ان الشعرَ ما يضيع في الترجمة الا ان هذه القصائد في نسختها الانكليزية تمتلك شعرية موازية لنسختها الاصل العربية، اضافة الى احتفاظها بروح المفارقة والسخرية ذاتِها وهي تهاجرُ الى لغة اخرى. نحن اذن امامَ قصائد َ يـُمكن قراءتـُها من اليمين الى الشِمال او بالعكس، ذهابا وايابا مثل طريق ذي اتجاهين. ربما يعود الامر الى سهولة الفاظ القصائد ورشاقة ِ تراكيبها وتجردِها من الصور الغامضة، واعتمادِها شعرية َ الافكار لا شعرية َ الالفاظ، ولا بد ان يكونَ اسهامُ الشاعرة نفسِها في الترجمة وهي عليمة بلغة الهدف سببٌ آخر. ختاما، وبسبب الطبيعة المائية للقصائد، فللشاعرة ان تستلقي" على الماء في اغفاءة قصيرة"*. اما بالنسبة الى القارئ فان الدخولَ الى هذه القصائد اشبهُ بالدخول الى بحر. يحتاج المرء فيه الى قـُدرة واثقة على السباحة، فان لم تكن، فقاربٌ امين شرط ان يـُجيد التجديف، ليس على الله بالطبع، بل على المياه، فان لم يكن فاضعف الايمان طوقُ نجاة. فان تعذر عليه او عليها ايٌ من الوسائط الثلاثِ، فالاولى الابتعادُ كـُليا عن بحر كهذا لا يرمي بك على الساحل مثل موجة بل يحملك الى اعماقهِ الممسوسة بالظلمات الدفينة، وبالامواج العاتية المدمرة، لكنها، يا لسوء الحظ، صفاتُ كل شعر عظيم.

 
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤتمر الوطني العراقي
Copyright © 1997-2010 Iraqi National Congress. All rights reserved. info@inciraq.com